خدمة Common Ground الإخباريّة - الشرق الأوسط
 



 

مواجهة السلام: إيجاد واقع جديد على الأرض

بقلـم غيرشون باسكن

11 أغسطس/آب 2008

القدس خطا داني عطار وقدورة موسى، وهما شخصان غير معروفين نسبياً، خطوات واسعة على الطريق نحو السلام، ويمكنهما الذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير لو توقفت حكومتاهما فقط عن التدخّل. داني عطار هو رئيس مجلس غيلبوا (فقوعة) الإقليمي، المنتخب من قبل مجموعة الكيبوتزات والمجتمعات المحلية الدينية والقرى العربية في منطقة غيلبوا. قدورة موسى هو محافظ جنين، وقد عيّنه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. لقد عمل الرجلان معاً بهدوء خلال السنوات الماضية لإيجاد واقع جديد على الأرض، بحيث أصبح نجاح هذه التجربة يدعى الآن "جنين أولاً".

يقع الخط الأخضر وجدار الفصل في هذه المنطقة التي تقع في أقصى شمال الضفة الغربية، على نفس الخط. مكّن انعدام النزاع حول القضايا الحدودية هذان الزعيمان المحليان من التوجه قدماً بمخططات طموحة سوف توفّر، إن أثمرت، أفضل الفرص للازدهار والاستقرار والأمن للفلسطينيين والإسرائيليين على جانبي الخط.

ما حققاه حتى الآن هو بناء علاقة ثقة هي المكوّن الضروري الأكثر أساسيّة في وصفة صنع السلام. يشكل الغياب شبه الكامل للثقة في الواقع الفلسطيني الإسرائيلي واحداً من الأسباب الرئيسية لكون التقدم في المفاوضات بين الزعماء بطيئاً ومملاً. في هذا النزاع المليء باللغو والإسهاب المحموم، يعتبر غياب الكلام الأجوف والسياسة العليا أمراً منعشاً، وخاصة عندما تستبدل بأعمال تبني الثقة والاستقرار.

تم بناء الثقة في منطقة غيلبوا جنين بالأفعال وليس بالكلمات. لقد عَمِل قدورة موسى بكدّ وتفان لإعادة القانون والنظام إلى منطقة جنين. وهو رجل لا يفهم الكلام الفارغ ولا يتحمل بتاتاً الفلسطينيين الذين يعتقدون أن لهم الحق والواجب في مهاجمة الإسرائيليين وقتلهم. لدى السيد قدورة موسى كمحافظ سلطة مباشرة على الشرطة الفلسطينية وقوات الأمن في منطقته. وقد نجح من خلال تصميمه ودعم الرئيس عباس ورئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض ودعم المجتمعات المحلية، في تحويل المنطقة التي كان يُسيطر عليها رجال حماس والجهاد الإسلامي المتشددين في يوم من الأيام إلى أكثر مناطق الضفة الغربية هدوءاً.

وقد تم تحقيق دور داني عطار في بناء الثقة من خلال التزامه الشخصي وتصميمه فيما يتعلق بخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي ترتكز على إيجاد واقع جديد عبر الحدود. جوهر هذه الخطط منطقة صناعية سوف يتم بناؤها على الجانب الفلسطيني من الحدود. وهناك خطط لبناء مركز لوجستي وآخر صحي على الجانب الإسرائيلي، كما أن هناك محادثات عن مشاريع عبر الحدود في مجال التعليم العالي والتدريب المهني كذلك.

نقطة الوصل هي معبر جيلاما، الذي يتوجب على الأرجح نقله وتوسيعه لاستيعاب الخطط الجديدة. الخطط طموحة ذات رؤية، وإذا سُمِح لعطار وموسى أن يتحركا قدماً دون تدخل حكومتيهما فسوف تصبح جنين غيلبوا نموذجاً للانتقال من النزاع إلى التعاون.

يشكّل دور بناء الجسور الذي يلعبه عيد سالم، ممثل مقيبلة، وهي قرية عربية صغيرة وعضو في مجلس غيلبوا الإقليمي، عنصراً أساسياً في النجاح حتى الآن. عيد سالم عربي إسرائيلي هذا هو تعريفه. لا توجد عنده أية منازعات أو تناقضات فيما يتعلق بهويته. إجادته المذهلة للغتين العبرية والعربية هي مؤشر بسيط على قدرته عبور طرفي الحدود والحصول على الثقة الكاملة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين.

ليس هناك أي تساؤل لدى زملاء عيد اليهود في المجلس حول ولائه لدولة إسرائيل وهم يرونه كعضو حيوي وزميل وصديق حقيقي. عندما يتكلم عيد عن "دولتنا" فهو يشير فقط إلى دولة إسرائيل. تشكل شراكة عطار عيد نموذجاً للصداقة والقيادة بناء على رؤية مشتركة وعلى الأفعال وليس الكلمات، وهو الأمر الأهم. يستطيع هذا الثنائي القوي، مع قدورة موسى أن يحوّل شمال الضفة الغربية إلى نجاح حقيقي في عملية صنع السلام الإسرائيلية الفلسطينية، وقد تنجح في وضع حجر الأساس الجديد في بناء السلام من الأسفل إلى الأعلى.

سوف تتحرك مخططات التنمية في غيلبوا جنين قدماً إذا أُعطي القادة المحليون حرية عمل ما يريدونه. لا يتوجب على الحكومتين المركزيتين إلا تيسير عملهم. وحتى يتسنى البدء بالعمل على المنطقة الصناعية، فهم يحتاجون إلى اتفاقيات نهائية على القضايا الفنية المتعلقة بالكهرباء والماء وطرق الوصول. لقد تم إعداد المخططات وتقديمها، وهناك مصادر للتمويل متوفرة من ألمانيا وغيرها. يمكن لوضع حجر الأساس أن يتم في كانون الثاني/يناير، ومعه إيجاد آلاف فرص العمل على الجانبين. وقد تم عقد اجتماع بين هؤلاء القادة المحليين وآخرين من الجانبين خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية في مركز مؤسسة كونراد اديناور في منطقة بحيرة كومو بإيطاليا، برعاية مركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات ومؤسسة كونراد اديناور في القدس.

كما يمكن وقف العملية من قبل الحكومات الوطنية أو السياسات العليا. لن تنهي خطط جنين غيلبوا الاحتلال. لن تظهر الدولة الفلسطينية إلى الوجود نتيجة لتعاون عبر الحدود في الشمال. لن يتأثر الوضع في غزة نتيجة إيجاد آلاف فرص العمل الجديدة في جنين. كما لا تشكل الخطط التي يرعاها عطار وموسى مخططات أساسية لاحتلال أكثر إنسانية وأقل إجحافاً.

يدعم كل من هؤلاء القادة المحليين بشكل كامل حل الدولتين. ولكن هؤلاء رجال يؤمنون بالعمل ويقومون به، وهم يفهمون أنهم لا يستطيعون تحقيق أي شيء من خلال الجدل السياسي والحوار التاريخي. لديهم أدوات الحكم المحلي، وهم ينوون استخدامها لبناء قطعة من السلام نأمل بها جميعاً.

في غياب الأمل الحقيقي بأن تتوصل الفرق التفاوضية الإسرائيلية والفلسطينية فعلاً إلى اتفاق، يستطيع أناس مثل عطار وموسى أن يوفروا الأمل الحقيقي بإمكانية التوصل إلى السلام وأن ذلك ليس مجرد رؤية في الأفق تبتعد عنا بشكل مستمر.

###

* غيرشون باسكن هو المدير التنفيذي المشارك لمركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات. تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال الذي يمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org.

مصدر المقال: الجيروساليم بوست، 4 آب/أغسطس 2008
www.jpost.com
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال