خدمة Common Ground الإخباريّة - الشرق الأوسط
 



 

عندما تجف الآبار والينابيع

بقلـم عن نشرة المنظمة الدولية للصليب الأحمر البيئية

12 نوفمبر/تشرين الثاني 2007

القدس هناك ما يربو إلى 230.000 فلسطيني، يعيش معظمهم في القرى، لا يملكون سبل الوصول إلى مياه الشرب المنقولة بالأنابيب. لقد تواجدت هذه المشكلة، والوعي بها، منذ سنوات طويلة. وما يدعو إلى الاستغراب بصورة أكبر معرفة أنه يوجد حوالي 100.000 شخص في إسرائيل يعيش معظمهم في قرى غير معترف بها، يعانون من نفس الحرمان.

كيف يمكن في منطقة لا تعاني من شح الموارد (يتمتع الاقتصاد الإسرائيلي بالازدهار وحصلت السلطة الفلسطينية ولسنوات طويلة على معونات مالية ضخمة) أن يجري عدم إيصال المياه، وهو حق إنساني أساسي، لهذا العدد الكبير من الفلسطينيين والإسرائيليين.

لدى القرى الفلسطينية المحرومة ينابيع وآبار توفر المياه. إلا أن هذه الموارد تجف في شهور الصيف، ويضطر السكان للجوء إلى المياه المنقولة بالصهاريج، وهي مرتفعة الثمن (ثلاثة أضعاف ثمن المياه المنقولة بالأنابيب، على الأقل). ويحاول سكان القرى التعويض عن طريق استخدام أقل قدر ممكن من المياه الملوثة، إلا أن نتائج ذلك على مستوى النظافة والصحة ظاهرة.

بالطبع كانت هناك جهود لتحسين الوضع. خلال السنوات العشرين الماضية عملت منظمات في الضفة الغربية مثل المجموعة المائية الفلسطينية والرؤيا العالمية وأنيرا على توفير مصادر مائية بديلة إلى هؤلاء الذين فصلوا عن الشبكة المركزية. وقد عملت سلطة المياه الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية معاً مع ميكوروت، الشركة الإسرائيلية المسؤولة عن توزيع المياه في إسرائيل ومعظم فلسطين لربط عدد من التجمعات السكانية بالنظام المركزي. لم تكن هذه الجهود كافية، وراوحت المشكلة مكانها.

ورغم أن ربط القرى الإسرائيلية والفلسطينية جميعها بنظام توزيع المياه المركزي لا يعتبر أمراً قليل الكلفة، إلا أنه يصعب تصور أن انعدام الأموال يقف عائقاً أمام التقدم الضروري. ورغم وجود العديد من المطالب المتنافسة لأحوال التنمية في المنطقة تستطيع المشاريع التي تعتمد على النوايا السياسية للحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية أن تتوقع أن تجد الموارد الضرورية. لم يصبح توفير المياه للمجتمعات الريفية في المنطقة أولوية بعد.

وقد يكون جزء من السبب هو أن هذه التجمعات التي تفتقر إلى موارد مائية شرعية يصعب الوصول إليها أحياناً وتفتقر إلى القوة السياسية.

كما قد يكون هناك افتراض ضمني في الأوساط الرسمية بأن موارد المياه المحدودة سوف تتعرض للضغط إذا تم توصيلها بالأنابيب إلى كافة التجمعات السكانية التي تحتاجها اليوم. ورغم أن هذا السيناريو ممكن إلا أن الرد على المياه المتوفرة المحدودة يجب أن يكون الاستثناء المستمر لمئات الآلاف من المواطنين من الحصول على الماء النظيف. يستطيع المسؤولون المساعدة على توفير مياه الشرب النظيفة لمن هم بحاجة ماسة إليها عن طريق حفر آبار جديدة وبناء محطات ضخ جديدة واستخدام عمليات التحلية إلى أقصى حد ممكن واستيراد المياه من الدول التي تتوفر فيها وزيادة إعادة تدوير المياه نصف المستخدمة للأغراض الزراعية.

لذا يبقى السؤال: لماذا لا يتم التعامل مع المشكلة بجدية أكثر إذا كانت المياه متوفرة ويمكن التغلب على الصعوبات الفنية وتتوفر الموارد المالية على الأرجح؟

بالطبع، لا يوجد هناك جواب واحد. السبب الأكثر شيوعاً هو عدم الاستقرار الأساسي في المنطقة والتوترات العديدة السياسية والاجتماعية، التي تشكل تحديات أمام الذين يعملون لحل المشاكل العملية مثل توفر المياه. هناك أيضاً شكوك سائدة على الجانب الفلسطيني بأن إسرائيل ترغب بإبقاء سيطرتها على توفير المياه لأسباب أمنية، وليست مهتمة حقاً بتحسين الوضع. بغض النظر عن الوضع فإن هذه المبررات لا تشكل جواباً كاملاً.

تتشكل جميع التجمعات السكانية التي تفتقر إلى المياه المزودة بالأنابيب في إسرائيل تقريباً من القرى العربية غير المعترف بها المحرومة من الخدمات الأساسية. المشكلة هنا اجتماعية اقتصادية بشكل كامل، فهذه قرى كانت إسرائيل تأمل أن تنقلها إلى مناطق أخرى. الحكومة الإسرائيلية مترددة في هذه الحالات في توفير أية خدمات قد تؤدي إلى تطوير بنية تحتية ثابتة، الأمر الذي يجعل هذه التجمعات أكثر ثباتاً وبقاءً يصعب نقلها. "منطق" هذا النقاش لا يعترف بالطبيعة التأجيلية للنزاع على هذه القرى غير المعترف بها. وبينما تتصارع السلطات المحلية والوطنية على هذه المشكلة يستمر حرمان المقيمين في هذه القرى من الحق الأساسي في المياه، كما عهدوا منذ عقود طويلة.

في فلسطين تتأثر خطط توفير المياه للتجمعات السكانية النائية وبشكل مستمر بالعنف السائد، الذي تنتج عنه الإغلاقات ومنع حرية الحركة، الأمر الذي يؤخر العمل الفعلي على الأرض. وتدعي المصادر الفلسطينية أن هذه المشاكل تتفاقم نتيجة للموقف السلبي للسلطات الإسرائيلية التي تتعامل مع المياه، بينما يدعي الخبراء الإسرائيليون أن السلطات الفلسطينية المختلفة تؤخر أي عمل إيجابي بعدم كفاءتها. مما لا شك فيه أن المانحين في فلسطين تثبط همتهم بسبب انعدام التقدم، فيختارون أحياناً دعم المشاريع التي يُنظر إليها على أنها برّاقة وبارزة أكثر من عملية توفير المياه المزعجة.

ومما لا شك فيه أن انعدام التعاون الفاعل بين الأطراف المختلفة ذات العلاقة يشكل أحد أسباب الصعوبات. ففي الوقت الذي تتمتع فيه جميع المستوطنات المعترف بها في الضفة الغربية بالمياه المنقولة بالأنابيب، وتحرم القرى المجاورة منها، قد يبدو أن الأنابيب نفسها المستخدمة لتزويد المستوطنات تستطيع توفير المياه للقرى المجاورة. إلا أن حلاً كهذا سوف يتطلب تنسيقاً لم يقع من قبل بين الطرفين.

تحتاج السلطات الفلسطينية والإسرائيلية في مجال الماء لأن تدرس هذه المشكلة مرة أخرى وأن تعمل معاً لإيجاد حل. بوجود العزيمة والنية يستطيع الطرفان العمل مع المانحين لاستخدام الخبرات المحلية والدولية للمساعدة على حل المشكلة بفعالية وبأسلوب اقتصادي.

قد يكون من الضروري تشكيل لجنة خاصة مكونة من كافة أصحاب الاهتمامات والمصالح المهمين تركز ليس على كتابة التقارير حول المشكلة وإنما على التصرف لحلها.

هذه الأمور شهادة على بؤس المنطقة التي يعيش فيها عدد كبير من الناس الذين يفتقرون للمياه العذبة. الحل في صالح كل من إسرائيل وفلسطين، وبالدرجة الأولى في صالح هؤلاء الذين يكافحون يوميا ليجدوا ماء شرب نقيا.

يتوجب على مديري سلطتي المياه الإسرائيلية والفلسطينية أن يتخذا المبادرة الآن بعد أن بدأت لجنة المياه المشتركة بالاجتماع. يستطيعان استخدام قوتهما وطاقتهما للتعامل مع هذا الوضع المحزن. إذا قاما بتحقيق ذلك فسوف يثبتان ا أن بإمكان الإسرائيليين والفلسطينيين العمل معاً من أجل الصالح العام. إنها لفضيحة أن يعاني آلاف البشر دونما ضرورة وأن يبقوا محرومين من حق أساسي لهم هو حق الحصول على مياه الشرب.

###

*هذا المقال هو الأول من سلسلة مصممة للفت الأنظار لأمور ذات اهتمام مشترك للإسرائيليين والفلسطينيين في مجال البيئة والمياه. تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال الذي يمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org .

مصدر المقال: مركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات Israel/Palestine Center for Research and Information، تشرين الثاني/نوفمبر 2007
www.ipcri.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.