خدمة Common Ground الإخباريّة - الشرق الأوسط
 



 
الغالبية الأخلاقية من أجل السلام
و         غيرشون باسكن
 
القدس يبدو التوصل إلى اتفاقية سلام بحلول نهاية السنة الحالية أمراً شبه مستحيل. مرة أخرى يحتدم العنف والغضب في شوارع كل من إسرائيل وفلسطين. قتلت إسرائيل ما يربو على مائة فلسطيني خلال "العملية" الأخيرة في غزة، أكثر من نصفهم من المدنيين. تثبت الاحتفالات الفلسطينية في غزة بعد الهجمة الإجرامية في مركاز هاراف وجماهير الإسرائيليين التي تنادي "الموت للعرب" مرة أخرى أننا لم نتعلم سوى القليل. اليهود والعرب يقتلون بعضهم بسبب هذه الأرض منذ أكثر من مائة سنة. تستمر النداءات المتبادلة بالثأر بتغذية دائرة الموت والدمار الرهيبة هذه. يتبع العديد من قادتنا السياسيين على الجانبين ردود فعل الرعاع الذين يطالبون بالمزيد من الموت والثأر والدم. كم من الأسر يتوجب عليها دفن من تحبهم قبل أن نصحوا وندرك ضرورة أن تنتهي هذه الدوامة؟ لحسن الحظ أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس رد على العنف الأخير بشكل إيجابي، مصرحاً: "رغم كافة الظروف التي نمر بها والهجمات التي نتعرض لها فإننا نصر على السلام. ليس هناك من سبيل آخر".

كان الزعماء الإسرائيليون أقل وضوحاً، لسوء الحظ. يتوجب على القادة على الجانبين أن يرفعوا صوت الأخلاقيات العقلانية وأن يدركوا أن العنف المتبادل سوف يستمر طالما لا يوجد اتفاق سياسي لإنهاء النزاع.

لا أستطيع فهم سبب اعتقاد الناس على الجانبين بأن أسلوب إنهاء العنف من قبل الجانب الآخر هو ضربه بقوة أكثر وبمعاناة أعمق. كيف يستطيع أي إنسان عقلاني أن يعتقد بأنه إذا قتلنا المزيد منهم فسوف يستسلمون ببساطة؟ هل نستسلم نحن لو حصل ذلك؟ إذا استمر الفلسطينيون بقتلنا بهذا الأسلوب الجماعي فهل نفكر بالتنازل عن حقوقنا؟ هل نلقي سلاحنا ونتنازل عن حقوقنا بالحرية والاستقلال والدولة والعدالة لأننا عانينا من الخسارة؟

لا يختلف الفلسطينيون عنا في قضايا تتعلق بكرامتهم الوطنية وأحلام الدولة ومطالب العدالة. لو أننا كنا تحت الاحتلال وقد حُرِمنا من حريتنا فهل نلقي سلاحنا؟ هل نتبنى إستراتيجيات اللاعنف؟ أشك في ذلك.

كلا، ليس من السهل التوصل إلى نهاية متفاوض عليها لهذا النزاع المستمر منذ مائة عام. كلا النظامين السياسيين ضعيف ومقسّم وغير فاعل لدرجة أنه من شبه المستحيل للزعماء السياسيين أن يجدوا الشجاعة الضرورية لإعطاء بعضهم القدر الأقل من التنازلات الضرورية للتوصل إلى اتفاق.

يبدو مخربو السلام على الجانبين، في أنظمتنا السياسية المختلفة المفرقة، أنهم يملكون قوة أكثر للتدمير مما يمتلكه القادة للتفاوض. الصرخة الشعبية المطالبة بالثأر هي الغذاء الذي يمد المخربين بالطاقة. ليس للزعماء أي دعم تقريباً. يتوجب عليهم الوقوف أمام تيار السخرية والشك والشعور الحقيقي باليأس من إمكانية تحقيق السلام.

إلا أن التوصل إلى اتفاقية سلام أمر ممكن. لا يمكن التوصل إلى اتفاقية ضمن أي نوع من المنابر العامة. لا يمكن التوصل إلى اتفاقية من خلال التفاوض على كل من القضايا بشكل منفرد. لا يمكن فصل قضية القدس عن قضية الحدود واللاجئين والأمن أو حتى العلاقات الاقتصادية. كل واحدة من هذه القضايا مرتبطة وتعتمد على الأخرى بشكل متبادل. سوف يشكل الاتفاق حزمة من الصفقات تنطوي على تبادلات حول القضايا المختلفة. سوف يوفر الاتفاق لكل طرف الحد الأدنى على الأقل مما يعتبر الأمن الوطني الرئيسي والمصالح الإستراتيجية. يحتاج كل من الطرفين أن يشعر أنه حقق بعض الشعور بالعدالة لشعبه. يتوجب على كل من الطرفين أن يبيع الاتفاق إلى شعبه بشكل من أشكال العملية الديمقراطية.

لو كنت مكان الزعامة الإسرائيلية لقمت بإجراء مفاوضات سرية منذ تموز/يوليو 2007. كنت أشركت أقرب المقربين في محادثات كهذه. أعلم أنه لو عُرِف ولو قدر قليل عن التنازلات التي يجري التفكير بها فإن التحالف سوف ينهار، وسوف تجري انتخابات، ونتيجة للشعور السياسي السائد سوف ينجح زعيم المعارضة بنيامين نثنياهو وسوف يسيطر الجناح اليميني ويقودنا إلى المزيد من الهلاك والموت والدمار.

كنت سأفهم أنني بحاجة إلى فترة تمتد حتى نهاية السنة، حسب الهدية التي قدمها لنا جورج دبليو. بوش وقمته في أنابوليس. كنت سأستخدم كل واحد من تلك الأيام المتبقية لتحقيق أفضل اتفاق ممكن.

كنت حتى سأوافق على وقف لإطلاق النار لمدة سنة واحدة مع حماس يوفر الهدف المطلوب للتفاوض. وقف إطلاق النار يضع حداً لإطلاق الصواريخ من الجنوب. نعم، سوف يربط أيدينا في قدرتنا على الرد عسكرياً على الأخطار المحتملة في غزة والضفة الغربية، وسوف يتطلب منا أن نزيد من قدراتنا الأمنية بشكل كبير وتعاوناً استخبارياً مع قوات عباس الأمنية (وهو أمر في مصلحتنا في جميع الأحوال).

سوف يتطلب ذلك منا أن نفهم أن حماس سوف تستمر بتهريب الأسلحة إلى غزة وأنه يتوجب علينا زيادة تعاوننا مع مصر حتى يتسنى لنا تدمير هذه الأنفاق. ويعني ذلك أنه يتوجب علينا إنهاء خنقنا لغزة خلال السنة القادمة. لا يمكن الحفاظ على وقف إطلاق النار إذا استمر سكان غزة بالشعور بأنهم تحت حصار وبأن قطاعهم الخاص يتعرض لعملية إفلاس شاملة.

كنت سأفهم أنه عندما أحصل على اتفاق سوف أدعو لانتخابات جديدة في إسرائيل. سوف أكون مقتنعاً بأن الغالبية الساحقة من الإسرائيليين سوف تدعم الاتفاقية. سوف أعلم ذلك لأن الغالبية الصامتة من الإسرائيليين ترغب بالحياة والسلام. كنت سآمل أن يقوم عباس كذلك بقيادة عملية ديمقراطية في فلسطين ينتج عنها، حتى لو اقتصرت على الضفة الغربية، غالبية أخلاقية تكون لها أهمية كافية لتثبت أن الشعب الفلسطيني يدعم السلام كذلك. كنت سأفهم أن تطبيق الاتفاقية سيحصل عبر عدد من السنوات وأن التغيير في الوضع السياسي في غزة سوف يمكّن من تطبيقها هناك أيضاً.

كنت سأفهم أنه يتوجب علينا العمل معاً لإيجاد ظروف على الأرض تمكّن من تحقيق تحسينات هامة في الحياة اليومية للفلسطينيين. وإذا لم تمكننا الترتيبات الأمنية من إزالة العديد من الحواجز ونقاط التفتيش بشكل فوري، فسوف أعمل مع الفلسطينيين لتحويل ضوابط الإدارة المدنية في أية منطقة لن تصبح جزءاً من إسرائيل، بما فيها معظم المناطق المعروفة الآن بمناطق "ج". لن تكون هناك حاجة لإسرائيل للاستمرار في السيطرة على عمليات التخطيط والبناء في معظم أجزاء الضفة الغربية. كنت سأفهم أنني أملك المفاتيح التي تفتح العديد من أبواب الأمل لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين.

كلا، لا أستطيع القيام بذلك وحدي. لحسن الحظ أن لدي شريكا مثل عباس، يستمر في إظهار التزامه بقيادة شعبه نحو السلام. وسأقف شامخاً لمعرفتي أنني أمتلك كذلك الشجاعة والالتزام الأخلاقي لقيادة شعب إسرائيل.

###

*غيرشون باسكن هو المدير التنفيذي المشارك لمركز إسرائيل فلسطين للبحوث والمعلومات (www.ipcri.org). تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال الذي يمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org .

مصدر المقال: الجيروساليم بوست Jerusalem Post، 10 آذار/مارس 2008
www.jpost.com
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
عن الخدمة الإخبارية - طبعة الشرق الأوسط