2005-07-01

الزراعة، قصة تعاون إسرائيلي فلسطيني في زمن الحرب

بقلـم: محمد دراغمة

رام الله. على غير ما تكون عليه اللغة من حذر لدى الفلسطيني عندما يتحدث عن علاقته مع جهة إسرائيلية ما، فإن محمد حملاوي منسق مشروع المعايير الأوروبية في مركز التجارة الفلسطيني "بالتريد" في قطاع غزة يتحدث بحماس كبير عن علاقة مؤسسته بمركز إبكري، وهو مركز إسرائيلي -عربي غير حكومي مختص بالأبحاث والتدريب، والسبب هو التحول الذي يشهده قطاع الزراعة في غزة جراء مشروع مشترك بين المؤسستين.

فقد أثمرت العلاقة بينها عن دخول قطاع الزراعة المعدة للتصدير الخارجي في قطاع غزة عهداً جديداً لم تشهده هذه المنطقة الزراعية من قبل.

وبدأت العلاقة بمشروع تدريب مولته مؤسسة ACDI-VOCA، وهي مؤسسة خاصة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة الأميركية، ونفذه مركز إبكري واستهدف تدريب المهندسين الزراعيين والمزارعين الرياديين في قطاع غزة على استخدام المعايير الأوروبية في الإنتاج الزراعي قادت إلى نشر هذه المعايير بين 90% من مزارعي التوت الأرضي والبندورة الشيري في القطاع الذين باتوا اليوم يتمتعون بمزايا التصدير لدول الاتحاد الأوروبي ما رفع أسعار منتجاتهم بنسبة عالية جداً 45 سنتاً إضافياًَ لكل كيلوغرام واحد".

وتبين إحصاءات "بالتريد" أن مزارعي التوت الأرضي في قطاع غزة صدروا العام الماضي ألف طن للدول الأوروبية قبل أن يحول إغلاق معبر كارني التجاري دون تصدير ألف طن آخر كان معداً لهذا الغرض.

ويقول محمد حملاي : "تجربتنا مع إبكري ممتازة، لقد قدموا لنا مساعدات كبيرة الأهمية في مهمتنا تطوير الإنتاج الزراعي المعد للتصدير الخارجي".

وقد بدا مشروع ابكري- بالتريد العام الماضي.

ويقول هليل إدري مدير دائرة الزراعة والمياه في إبكري بأن فكرة التعاون نشأت بعد طلب الاتحاد الأوروبي من مصدري المنتجات الزراعية الالتزام بمعايير حديثه وضعها للمنتجات الزراعية التي تدخل دول الاتحاد.

وأضاف:" لدي شخصياً تاريخ طويل من العلاقة مع القطاع الزراعي في غزة منذ كنت مسئولاً عن المياه والزراعة في الإدارة المدنية مطلع التسعينات ثم عضواً في الوفد التفاوضي الإسرائيلي بشأن الزراعة والمياه، قبل أن أنتقل إلى أبكري حيث سخرت هذه العلاقة في إنجاح هذا المشروع الذي يرى فيه المركز واحدة من أهم وسائل دعم السلام والتعاون بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي".

"نحن في إبكري نؤمن أن الاستقرار الاقتصادي يشكل مفتاحاً للاستقرار السياسي، والشعوب التي تفرقها الحروب يجمعها التعاون الاقتصادي" قال هليل.

ويتفق عميد المصري مدير مشروع تنمية وترويج التجارة الزراعية في بالتريد مع ما يقوله هليل مشيراً إلى أن إبكري يلعب اليوم دوراً لوجستياً هاماً في مساعدة القطاع الزراعي الفلسطيني لدى السلطات الإسرائيلية التي تفرض قيوداً صارمة على حركة الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد ع أربع سنوات ونصف السنة.

وشمل البرنامج ثلاث دورات تدريبية لعدد من المهندسين الزراعيين والمزارعين الرياديين الذين عملوا بدورهم على نقل تجربتهم لعشرات لمزارعين الآخرين.

ويقول عميد المصري بأن الدورات شملت تدريبا في المكتب والحقل وزيارات ميدانية لمزارع نموذجية وأخرى لمعهد الأبحاث الزراعية الشهير "فولكاني"، وتصميم برنامج حاسوب خاص لتطبيق المعايير الأوروبية على المنتج الزراعي.

وتمتلك المؤسسات الزراعية الإسرائيلية خبرات واسعة في البحث والتطوير. ويشمل التدريب بصورة أساسية مزارعي التوت الأرضي وبدرجة محدودة مزارعي البندورة الشيري والورود.

وقال حملاوي بأن عدد مزارعي التوت في القطاع يبلغ 600 وأن حوالي 500 منهم باتوا اليوم ينتجون وفق بعض المعايير الأوروبية وأن هناك حاجة لاستكمال العمل بهذه المعايير عبر مشاريع أخرى جديدة.

وقد بدأ تطبيق المعايير الأوروبية في إنتاج التوت في القطاع العام الماضي. ويقول حملاوي بأن المزارعين تعرضوا لنكسة كبيرة عندما أغلقت إسرائيل معبر كارني ومنعتهم من التصدير ما أدى لانخفاض سعر المنتج من 14 شيكل "ثلاثة دولار وربع الدولار" إلى 2 شيكل "أقل من نصف دولار" للكيلو غرام الواحد.

وتشتمل المعايير الأوروبية للاستيراد الزراعي على 15 بنداً تتعلق بمختلف مراحل الإنتاج من تاريخ الأرض والزراعة والسقي وأنواع وكميات المبيدات والأدوية الزراعية وطرق القطف والتعبئة والمرافق في المزارع من حمامات وغرف طعام للعمال وضوء ونوافذ وغيرها.

وقال محمد حملاوي :"المعايير الأوروبية متشددة جداً وتصل حد فرض شروط على عمال القطف مثل ضرورة تقليم أظافرهم وتناول طعامهم بعيداً عن المنتج وضرورة استخدام شبابيك ولمبات بلاستيكية وليست زجاجية في المزرعة وغيرها".

ويتعرض المنتج قبل التصدير لفحص من قبل خبير زراعي أوروبي يفحص مرافق المزرعة ومستويات المواد الكيماوية في المنتج وغيرها ويقرر إثرها يمنح المزارع شهادة إنتاج مطابقة للمواصفات أو حجبها عنه.

وكانت حالات تعاون غير رسمي عديدة سجلت بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بعد اتفاق أوسلو عام 93،لكن غالبيتها العظمى انهارت مع اندلاع الانتفاضة في أيلول عام 2000.

ويفتح نجاح تجربة التعاون بين إبكري وبالتريد في تطوير إنتاج التوت الأرضي والبندرة الشيري في قطاع غزة الطريق أمام تكرارها في محاصيل أخرى.

ويقول عميد المصري:" نتائج هذه التجربة كانت ممتازة، وإذا ما توفر الدعم اللازم لتمويل لمشاريع جديدة فإنه يمكن تكرارها في محاصيل تصديرية أخرى مثل الزهور على سبيل المثال والتي يبلغ حجم تصديرها السنوي من القطاع إلى أوروبا 50 مليون زهرة ".

وأضاف:" الزراعة في إسرائيل هي الأكثر تطوراً من بين دول المنطقة، ولدى الفلسطينيين فرصة للاستفادة منها. ونحن نخطط لنقل التجربة إلى مزارعي الضفة الغربية".

ورغم تفجر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في السنوات الخمس الأخيرة إلا أن الجانبين حافظا على علاقة متبادلة في القطاع الزراعي. ويقول عميد المصري:" السوق الإسرائيلية تستوعب 60-70% من الإنتاج الزراعي الفلسطيني، والسوق الإسرائيلي هو المصدر الوحيد لمدخلاتنا الزراعية". وأضاف:" لدينا اليوم شريحة من المزارعين الذين يزرعون أنواعاً خاصة من الزراعات لتصديرها للسوق الإسرائيلي فقط مثل الفاصوليا الصفراء والفلفل الملون وغيرها.

ويشير المصري إلى الحاجة لتمويل إضافي بقيمة 600 ألف دولار لاستكمال تدريب المزارعين وإقامة البنية التحتية للتصدير وقف المعايير الأوروبية.

وفي جميع الأحوال فإن إسرائيل بالنسبة لمركز بالتريد هو الوجهة الأولى لتدريب المختصين الفلسطينيين.

وقال محمد حملاوي: "إذا ما وضعنا السياسة جانباً، فإن الخبرات الزراعية الإسرائيلية مصدر مهم لتطوير الزراعة في فلسطين، فعدا عن أنها الأكثر تطوراً فهي الأقرب، وإذا ما توفرت مؤسسة مثل إبكري قادرة على جلب تصاريح لطواقمنا للدخول إلى إسرائيل والوصول إلى مراكز الأبحاث والتدريب فإن هذا سيكون في غاية الأهمية لنا".

- محمد دراغمة صحفي ومحلل سياسي فلسطيني.