خدمة Common Ground الإخباريّة - الشرق الأوسط
 



 

مواجهة السلام: السنة القادمة في فلسطين

بقلـم غيرشون باسكن

12 مايو/آذار 2008

القدس ستون عاماً. لا شك أن لإسرائيل الكثير لتفخر به بعد أن نشأت من الرماد وواجهت ستة عقود من الكفاح والحروب. ليست إسرائيل واحدة من أكثر الدول في العالم إنتاجاً للأخبار ومجالات الاهتمام في العالم فحسب، ولكنها برزت كذلك في العديد من المجالات، رغم حجمنا والمشاكل التي نواجهها، كالزراعة وتكنولوجيا المياه والتقنية المتقدمة والعلاج الطبي والبحوث والتكنولوجيا البيولوجيّة والاتصالات وغيرها. ومؤخراً، نجحت حتى صناعة السينما في إسرائيل في اجتذاب الاهتمام والشهرة الدوليين. أتطلع قدماً إلى احتفالات يوم استقلالنا كل سنة. أنا فخور وسعيد لأن لنا هذا اليوم نحتفل به.

بدأت العديد من المنظمات في أقصى اليسار دمج احتفالات يوم الاستقلال مع شعائر لتذكُّر النكبة الفلسطينية، وهو اليوم الفلسطيني الوطني للمأساة. هناك الكثيرون على اليسار المتطرف الذين ينادون حتى بمقاطعة يوم الاستقلال بشكل كامل. ورغم أن العديد من الناس يعتبرونني يسارياً مخضرماً إلا أنني لن أكون هناك مع الذين يقترحون أنه يتوجب علينا عدم الاحتفال بيوم استقلالنا.

يتصادف وقوع العديد من المناسبات اليهودية والمسيحية والإسلامية مرات كثيرة في السنة في الفترة نفسها. من الأمور المعتادة بالنسبة لي تقبّل التهاني من طرف العديد من الفلسطينيين وتقديم التهاني لهم بالمقابل. ومن المناسبات الأكثر فكاهة التهاني السنوية التي أتلقاها بمناسبة عيد الفصح من أحد قادة فتح، الذي يقدم تحياته بالأسلوب التقليدي اليهودي: أتمنى لكم عيد فصح سعيدا حسب الأصول الدينية!

في يوم الاستقلال عام 2001، وفي أحلك أيام الانتفاضة الثانية، تلقيت مكالمة هاتفية من صديق فلسطيني في بيت لحم، تمنى لي فيها عيد استقلال سعيدا. كانت تلك أول مرة يحصل لي فيها أمر كهذا. أصبت بدهشة حقيقية وانعقد لساني عن الكلام، رغم أني لا أفقد القدرة على إيجاد الكلام المناسب عادة. ولكنني لم أدر ما أقول. بعد سنة قمت بالاستعداد لمكالمته، وتمكنت من الإجابة قائلاً "آمل أن تتمكن قريباً من الاحتفال بيوم استقلال دولتك".

أكون سعيداً عندما أرى اليوم الذي يكون فيه للفلسطينيين يوم استقلال يحتفلون به. ذلك اليوم سيكون كذلك يوم احتفال لإسرائيل والصهيونية. اليوم، يعني كونك مناصراً لإسرائيل أن تكون بالضرورة مناصراً لفلسطين، فمصير هذين الشعبين ومستقبلهما يعتمدان على قدرتهما على إيجاد سبيل للعيش جنباً إلى جنب بسلام في دولتين. لقد تحدانا جورج دبليو بوش للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية فترته الرئاسية في كانون الثاني/يناير 2009، وهو الوقت الذي تنتهي فترة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرئاسية. لا يعلم أحد بالضبط متى تنتهي فترة وزارة الرئيس إيهود أولمرت.

المفاوضات مستمرة في هذه الأثناء، ولكن التقارير الصادرة حول مدى تقدمها متضاربة. إذا لم يجرِ التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية فترة الرئيسين الرئاسية فمن غير المحتمل أن يسعى الرئيس عباس للبقاء فترة رئاسية ثانية. وحتى لو سعى للبقاء فترة ثانية فمن غير المحتمل، في غياب اتفاق واضح، أنه سينجح في انتخابات رئاسية. السيناريو السياسي الأكثر احتمالاً بالنسبة لفلسطين في غياب اتفاق هو تنامي ما يسميه الفلسطينيون "فتنة" أو فوضى. وسوف تضم الفتنة المزيد من الانتفاضة والعنف والمعاناة، ومن المرجح جداً ظهور حماس في الضفة الغربية كذلك.

الزعيم الفلسطيني المحتمل الوحيد وبشكل واضح في عيون الجمهور بعد عباس هو مروان البرغوثي، الذي يقضي خمسة أحكام مؤبدة متتالية في السجون الإسرائيلية. إذا انهار الوضع في المناطق الفلسطينية وتجدد القتال والعنف فمن غير المحتمل أن يفكر زعيم إسرائيلي بإطلاق سراح البرغوثي. بالطبع، لا شيء مستحيل، وقد تعلمنا من خلال تاريخنا، لسوء الحظ، أن الزعماء الإسرائيليين يتخذون أحياناً قرارات تحت أوضاع العنف يرفضون اتخاذها في ظروف أفضل (مثلاً فك الارتباط مع غزة من طرف واحد بدلاً من ضمن اتفاقية متفاوض عليها).

يبدو واضحاً الشعور العام في إسرائيل اليوم ونتيجة لبحوث الرأي العام، أنه في غياب اتفاق لا يملك أولمرت سوى فرصة ضئيلة في النجاح بالانتخابات. الأرجح أن بنيامين نثنياهو هو رئيس الوزراء المقبل في إسرائيل. ولا يبدو أن هناك فرصة كبيرة في أن ينجح نثنياهو في مفاوضات فشل أولمرت فيها. وإذا لم يكن عباس المعتدل في موقع المسؤولية وكانت هناك فتنة أو سيطرت حماس على الحكم فإن فرص حل الدولتين ستتضاءل بحيث يختفي الأمل وتجد إسرائيل نفسها في موقف مأساوي تحكم بموجبه المناطق الفلسطينية وشعبها، وهي لا ترغب بأن تكون القوة المحتلة.

يملك نثنياهو نظريات خاصة به مفادها أنه إذا قمنا بتحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين فإننا نستطيع شراء سكوتهم وهدوئهم. هنا يجب أن نذكّر أن كلتا الانتفاضتين انفجرتا في أوقات كان الاقتصاد الفلسطيني فيها يتمتع بالنمو والتقدم، وكان يبدو أن هناك الكثير من الأمل (اقتصادياً) بين معظم الفلسطينيين. بغض النظر، فإن آمال الازدهار الاقتصادي لم تكن كافية لتقضي على انعدام الأمل بالحرية السياسية والاستقلال. كنا سنتصرف بنفس الطريقة بالضبط. لم نكن لنستكين لو مُنِعت عنا حريتنا السياسية واستقلالنا، حتى ولو كانت جيوبنا ممتلئة بالنقود والأموال. هناك أمور لا تستطيع الأموال ابتياعها.

تمتلئ الصحف هذه السنة، بمناسبة عيد الاستقلال، بالمقالات حول السنوات الستين المقبلة. أنا قلق أكثر على السنة أو السنتين المقبلتين. إذا لم نجد طريقة للتنازل عن السلطة على الفلسطينيين خلال سنة أو سنتين، فسوف نحتفل خلال عشر أو عشرين سنة باستقلال الدولة التي ستنشأ هنا عبر سفك الدماء والنضال، وستكون دولة مختلفة جداً. لن تكون دولة يهودية. ستكون دولة صهيونية. لن تكون دولة ذات غالبية يهودية.

لذا، وبمناسبة يوم الاستقلال هذا، أتمنى من كامل قلبي لكافة أصدقائي الفلسطينيين: "أتمنى لكم أن تحتفلوا قريباً باستقلالكم".

###

*غيرشون باسكن هو المدير التنفيذي المشارك لمركز إسرائيل فلسطين للبحوث والمعلومات. تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال ويمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org

مصدر المقال: الجيروساليم بوست Jerusalem Post، 5 أيار/مايو 2008
www.jpost.com

تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال