خدمة Common Ground الإخباريّة - الشرق الأوسط
 



 

مواجهة السلام: لنكن واقعييّن في أرض المعجزات

بقلـم غيرشون باسكن

12 أكتوبر/تشرين الأول 2009

القدس – هل هناك إنسان منطقي يؤمن بإمكانية تحقيق صفقة سلام متفاوض عليها بين إسرائيل والفلسطينيين؟ رغم أن هذه هي أرض المعجزات، لنكن واقعيين.

رغم أن استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية والفلسطينية تستمر في إظهار أن غالبية واضحة من الشعبين تريد السلام، لا يعتقد أي طرف أن هناك شريكاً على الجانب الآخر. بشكل مجرَّد، لا يوجد سبب للإسرائيليين والفلسطينيين ليثقوا ببعضهم بعضاً. انتهك كل طرف وبشكل منهجي كل اتفاقية قام بتوقيعها.

فَقَد المجتمع الإسرائيلي ثقته بالسلام ولم يعد يحلم بقيادة السيارة إلى دمشق لتناول صحن من الحمص. لا يريد الإسرائيليون زيارة القاهرة أو عمان ولا يهمهم بشكل خاص أن يزور الأردنيون أو المصريون إسرائيل.

لم يعد الإسرائيليون يؤمنون أن التنازل عن الأراضي سوف يأتي بالسلام. التفسير العام الإسرائيلي لعبارة "الأرض مقابل السلام" هو أننا انسحبنا من مناطق في الضفة الغربية وأوجدنا السلطة الفلسطينية تحت حكم ياسر عرفات، فقامت بعد ذلك بمهاجمتنا بالأسلحة التي وفرناها لهم.

وفي غزة، التي انسحبت إسرائيل منها بشكل كامل، من المستوطنات وعسكرياً، حصلنا بالمقابل على صواريخ القسّام. ليس مهماً ما إذا كان ذلك يعكس ما حصل فعلاً. هكذا تفهم الغالبية العظمى من الإسرائيليين تلك الحقيقة.

اعتقد الفلسطينيون، من ناحيتهم أن بإمكانهم السيطرة على أكثر من 90% من الضفة الغربية حتى قبل أن يجلسوا على الطاولة للتفاوض على الحدود النهائية والقدس واللاجئين. اعتقدوا أنهم سيحصلون على النمو الاقتصادي. بدلاً من ذلك، أحضرت أوسلو معها نظاماً من التصاريح والإغلاقات ونقاط التفتيش التي أدت إلى تقليص حجم الاقتصاد الفلسطيني مع مرور كل يوم. اعتقدوا أن مؤسسة الاستيطان على أراضيهم سوف تتوقف ويجري سحبها، وبدلاً من ذلك رأوا عدد سكان المستوطنات ينمو بأكثر من 100% منذ توقيعهم اتفاقية أوسلو. لم يتصوروا قط أنه بعد مرور 16 سنة سوف يكون الاحتلال الإسرائيلي أقوى من قبل وأكثر قمعاً.

تمتلئ عملية السلام بالأساطير. أكثر هذه الأساطير انتشاراً، والتي يتم تعزيزها بشكل مستمر أن إسرائيل قدمت للفلسطينيين كل شيء ولكنهم رفضوا كل الكرم الإسرائيلي.

وتتمحور آخر نسخة حول ما يسمى بعرض أولمرت للرئيس عباس. يقال أنه في آخر لقاء لهما قبل ذهاب أولمرت، عرض أولمرت على عباس 100% من الأراضي المختلف عليها (من خلال انسحابات وتبادلات للأراضي)، وسيطرة إسلامية على الحرم الشريف (سيادة إسرائيلية على الحائط الغربي والحي اليهودي)، بل وحتى عودة 5000 لاجئ كجزء من برنامج لمّ شمل العائلات، وأن عباس رفض ذلك بمجمله قائلاً أن الخلافات ما زالت واسعة جداً. من المثير للدهشة أن غالبية الإسرائيليين يرون أن أولمرت يعاني من مشكلة (على أقل تعديل) في قول الحقيقة. ولكن القضية الوحيدة التي يصدقه فيها الجمهور الإسرائيلي برمّته هي ما عرضه على عباس.

الحقيقة هي أنه خلال جميع هذه المحادثات رفض أولمرت تقديم أي شيء خطياً. لا توجد وقائع جلسات رسمية. واقع الأمر أنه لم تكن هناك مفاوضات تفصيلية ومنهجية.

قدّم أولمرت في لقائه الأخير مع عباس عرضاً، واضطر عباس لأخذ ملاحظات على محتويات العرض. قدم أولمرت خريطة أعطاها لعباس لمراجعتها لعدة دقائق، ولكنه عاد فأخذها. اضطر عباس لأن يرسم خريطة من الذاكرة عندما قام بعرض الأمر على فريقه في رام الله.

إلى جانب عدم كونه جاداً في أساليب مفاوضاته، ضم اقتراح أولمرت من حيث الجوهر استمرار السيطرة الإسرائيلية على حدود فلسطين الخارجية وغيرها من التنازلات الكبرى غير المقبولة في السيادة الفلسطينية ترفضها أية حركة تحرير.

والآن يرفض نتنياهو بدء المفاوضات من حيث انتهى أولمرت. وهو يصرّ على استمرار بناء المستوطنات وتجاهل التزامات إسرائيل بخريطة الطريق، بينما يطالب الفلسطينيين بالقدوم إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة. ليس هناك أي مجال لأن يقبل عباس بهذه الشروط.

بقيت أمامنا حكومة إسرائيلية لا نية لديها بالتفاوض على سلام حقيقي مع الفلسطينيين يرتكز على إنهاء الاحتلال وإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

لدينا على الناحية المشرقة سلطة فلسطينية يزداد نجاحها يوماً بعد يوم في الضفة الغربية (رغم أنه لا يوجد لديها سيطرة على غزة أو إستراتيجية لذلك). لدينا أيضاً رئيس وزراء فلسطيني صمم ويعمل على تطبيق خطة مثيرة للإعجاب لإيجاد دولة فلسطينية كأمر واقع في الضفة الغربية الآن، وفي غزة فيما بعد، حسب ما هو مأمول.

تعتبر خطة سلام فياض واحدة من أكثر التطورات إيجابية منذ فترة طويلة. طالما ادعت إسرائيل، بالكلمات وبأمثلة تاريخية، بأنه يتوجب على الفلسطينيين بناء دولتهم من خلال تسلم مسؤولية حياتهم. يتوجب عليهم بناء مؤسسات الدولة وأن يثبتوا لأنفسهم وللعالم أنهم يستحقون دولة ولن يشكلوا حملاً على بقية العالم. الأهم من ذلك كله ألا تكون الدولة الفلسطينية دولة فاشلة، أي أن تكون للمؤسسات السياسية المدنية (السلطة التنفيذية) بالدرجة الأولى سيطرة شاملة على القوات العسكرية داخل الدولة. وهذا بالضبط ما يفعله فياض، وبنجاح.

منذ يومه الأول في منصبه فهم فياض، وبدعم كامل من عباس، المبدأ القائل بأن أمن الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية مرتبطان بشكل وثيق بأمن إسرائيل.

قد تكون الأحادية الفلسطينية أفضل سبيل إلى الأمام الآن. قد تشكل خطة مدتها سنتان نحو الدولة الفلسطينية، يدعمها أوباما واللجنة الرباعية بمعونة كبيرة، تثبت بنجاح تصميم الفلسطينيين على بناء الدولة والسلام مع جارتها، قد تشكل أفضل سبيل لإقناع الجمهور الإسرائيلي بأنه يتوجب عليهم السماح للفلسطينيين بالحصول على الحرية من السيطرة الإسرائيلية. سوف يتحول الرأي العام في إسرائيل بعيداً عن السياسات التي تدعمها حكومة نتنياهو لأن الجمهور سوف يدرك أمام احتمالات حقيقية بالسلام، أن كل بديل آخر لإنهاء الاحتلال هو أسوأ بكثير لإسرائيل.

###

* غيرشون باسكن هو المدير التنفيذي العام المشارك لمركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات www.ipcri.org. هذا المقال مختصر عن مقال ظهر في الجيروساليم بوست ويتم توزيعه من قبل خدمة Common Ground الإخبارية بإذن من الكاتب والجيروساليم بوست.

مصدر المقال: الجيروساليم بوست، 29 أيلول/سبتمبر 2009
www.jpost.com
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.