خدمة Common Ground الإخباريّة - الشرق الأوسط
 



 

حقائق صنع السلام وأكاذيبه

بقلـم غيرشون باسكن

29 أكتوبر/تشرين الأول 2007

القدس عبر ستين عاماً كذب القادة العرب والفلسطينيون على شعوبهم. إيجاد وإدامة فكرة أن اللاجئين الفلسطينيين من عام 1948 سوف يعودون إلى ديارهم وأراضيهم جعلت من المستحيل تقريباً أن يتمكن الرئيس محمود عباس من التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل حول حق العودة، وهي القضية الأكثر مركزية في النزاع. لقد أدرك عباس ومعظم القادة الفلسطينيين من حركة فتح التابعة له ومنذ فترة طويلة أنه لا يمكن أن تكون هناك أية عودة حقيقية للاجئين الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل. ورغم أنهم اعترفوا بذلك في حواراتهم الخاصة مع الإسرائيليين إلا أنهم لم يقولوا ذلك علناً حتى الآن. اللاجئون الذي بلغ عددهم 700،000 إلى 800،000 يوم النكبة أصبح عددهم اليوم أربعة ملايين ونصف (لا يعرف أحد العدد الفعلي للاجئين وسلالاتهم، الذين حصلوا على وضع لاجئين من طرف الأمم المتحدة). يعتبر ثاني كل فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء فلسطيني الشتات، فلسطينياً. أكبر معارضة لعباس فيما يتعلق بأي اتفاق مع إسرائيل يحتوي على تنازلات حول قضية اللاجئين تأتي من هذا القسم الواسع من السكان.

عبر أربعين عاماً خلت، كذب القادة الإسرائيليون على شعبهم. إيجاد وإدامة كذبة أن القدس موحدة وأن القدس الموحدة كلها سوف تكون العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل يجعل من المستحيل تقريباً لرئيس الوزراء إيهود أولمرت أن يقدم التنازلات الضرورية حول القدس للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. ومن المدهش حقاً أن غالبية الإسرائيليين ما زالوا يتعلقون بالكذبة ويصدقون أن القدس موحدة حقاً. لم تكن القدس مدينة موحدة منذ عهد الانتداب البريطاني. معظم الإسرائيليين لم يزوروا يوماً (ولا يهمهم أن يزوروا) القدس الشرقية الفلسطينية. مناطق مثل صور باهر قرب كيبوتز رامات راحيل وجبل المكبر الملاصقة للطالبية الشرقية والسواحرة، وهي قرية فلسطينية من منطقة أ- قرب بيت لحم والولجة بين غيلو وبيت لحم وأم طوبا القريبة من صور باهر، جميعها لا تعني شيئاً للإسرائيليين.

واقع الأمر أن معظم الإسرائيليين يعتقدون أن الدولة يجب ألا تستثمر في هذه المناطق، الأموال التي توفر فرصاً متكافئة في التعليم والخدمات العامة. وهكذا توجد مناطق في "العاصمة الأبدية" تبدو وكأنها مناطق غير مطورة في إحدى دول العالم الثالث. تجد على بعد عشرة كيلومترات من وسط القدس الغربية مناطق تبدو وكأنها أجزاء من كلكتا. لم يزر أي سياسي إسرائيل تقريباً هذه المناطق. وقد لا يكون رئيس بلدية القدس حتى على علم بها، أو أنه لا يهتم ببساطة بأن هذه المناطق الفلسطينية تقع تحت حكمه الإداري.

هل هؤلاء الإسرائيليون الذين يتحدثون ضد تقسيم القدس على استعداد للمحاربة بل وربما الموت (أو إرسال أبنائهم للمحاربة وربما الموت) حتى تبقى أم طوبا جزءاً من القدس العاصمة الأبدية؟ أشك بذلك بكل جدية.

سوف يتطلب صنع السلام من القادة أن يفككوا شبكة الكذب التي شاركوا في حياكتها لسنوات طويلة. حان الوقت لنكون صادقين مع الشعبين. يتوجب على الفلسطينيين أن يفهموا أن مفهومهم للعدالة أي أن يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم هو أمر مستحيل ببساطة. ليست ديارهم الأصلية ببساطة غير موجودة فحسب، وإنما استبدلت مدنهم وقراهم بأخرى موجودة منذ ستين سنة. هناك أيضاً تناقض أساسي في السعي لتحقيق "دولتين لشعبين" وفي الوقت نفسه الإصرار على "حق العودة".

يقول الفلسطينيون: "اعترفوا بحقنا في العودة وسوف نقوم بالتفاوض على تفاصيل التطبيق، في جميع الأحوال لن يرغب معظم اللاجئين بالعودة". هذا النوع من الحل "المفتوح" لن يقبل به أبدا أي زعيم إسرائيلي.

ليس من غير المنطقي للفلسطينيين أن يطالبوا بأن تعترف إسرائيل بدورها في إيجاد مأساة اللاجئين. وليس من غير المنطقي كذلك توقع مساهمة إسرائيل بكرم في صندوق دولي لتعويض اللاجئين الفلسطينيين وإعادة توطينهم.

الإصرار على موقف أنه يتوجب على إسرائيل الاعتراف "بحق العودة" لن ينتج عنه بداية لعملية سلمية.

بالمثل، يجب أن يمتلك الزعماء الإسرائيليون الشجاعة ليقولوا بصوت مرتفع إن القدس هي مدينة مقسمة، وإنه في إطار اتفاقية إسرائيلية فلسطينية سوف تكون الأجزاء الفلسطينية من القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية.

لقد تمكن معظم الفلسطينيين من تقبل حقيقة أن الأحياء الإسرائيلية أو ما يسمونه المستوطنات في القدس الشرقية ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية. لا ضرورة لأن يقلق سكان رامات إشكول والتلة الفرنسية والطالبية الشرقية وراموت وبسغات زئيف والنبي يعقوب وغيلو.

تضمن أطر كلنتون وهي خريطة أساسية لاتفاقيات الوضع النهائي والتي يقبلها معظم الفلسطينيين اليوم أن تبقى هذه الأحياء جزءاً من القدس الإسرائيلية.

يمكن النقاش بأن القدس هي أكثر مدن العالم تقسيماً. ليست هنا أية مناطق يعيش فيها الإسرائيليون والفلسطينيون معاً. يمكن بشكل كامل إجراء تقسيم وفق الخطوط الديموغرافية. ويمكن أن يرتكز تنفيذ هذا التقسيم على الواقع الأمني.

وأخيراً، وقد يكون الأكثر أهمية، هناك تلة الهيكل أو الحرم الشريف. ليس هناك في الواقع سوى خيارين اثنين محتملين للتعامل مع أقدس الأماكن المقدسة: تقسيم السيطرة والسيادة أو نقل السيطرة والسيادة إلى طرف ثالث محايد.

في أي من الحالتين يتوجب على الطرفين أن يتفقا على الحفاظ على قداسة المواقع لبعضهما بعضاً وللمستقبل. وهذا يعني عملياً أن أياً من الطرفين لن يستطيع البناء أو الحفر أو شق الأنفاق أو حتى إصلاح المنشآت أو العناصر الموجودة تحت الأماكن المقدسة.

يدعي اليهود أن تلة الهيكل هي أقدس الأماكن المقدسة عندهم. المكان الذي تواجد فيه الهيكل المقدس وحيث يعتقد معظم اليهود أن بقاياه موجودة، لا يمكنهم الوصول إليه حسب القانون اليهودي، لأننا نعتقد أنه لا يمكن أن يبني الهيكل الجديد سوى الله وبعد عودة المخلص. لقد تركنا هذا الأمر بيد الله لمدة تزيد على ألفي عام، وبالتأكيد لن يتغير ذلك بسبب اتفاقيات مع الفلسطينيين والمسلمين في العالم، الذين سيدركون السيطرة التي يتمتعون بها على التلة.

مقابل ذلك يعترف المسلمون والفلسطينيون بالسيطرة الإسرائيلية واليهودية على الحائط الغربي وبنفس المحدِّدات والقيود بينما يتعلق بالحفر وتشييد الأنفاق تحت هذه المناطق الحساسة.

بوجود تفاهم كهذا يمكن في نهاية المطاف الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل ولكن فقط بعد الاعتراف كذلك بالقدس كعاصمة أبدية لفلسطين.

الأمران مرتبطان. تلك هي الحقيقة، والحقيقة يجب سردها.

###

*غيرشون باسكن هو المدير التنفيذي المشارك لمركز إسرائيل فلسطين للبحوث والمعلومات (www.ipcri.org). تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال الذي يمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org.

مصدر المقال: الجيروساليم بوست Jerusalem Post، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2007
www.jpost.com
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.